ثائر الناشف

Loading...

الخميس، 30 يوليو، 2015

سوريا رحلة الآلام .. عبور البلقان


عندما وصلت إلى مدينة سالونيك في أقصى شمال اليونان ، تابعت طريقي مع مجموعة من اللاجئين السوريين نحو بلدة بولي كاسترو اليونانية التي تقع على مقربة من الحدود المقدونية بمسافة تزيد عن 18 كيلو متر . 

رفض موظف الحجز بمحطة قطار سالونيك ، قطع تذاكر لنا من سالونيك إلى بولي كاسترو ، بحجة أننا لاجئين ، فتشنا عن طريق آخر للوصول إلى البلدة ، اشار لنا بعض اللاجئين أن نستعين بسيارات الأجرة ، وعندما حاولنا الاستعانة بإحدى السيارات ، طرح السائق أمامنا أرقاما خيالية لنقلنا إلى البلدة التي تبعد عن موقعنا في سالونيك حوالي 50 كيلو متر .


انتابنا شعور من الإحباط واليأس ، نصحنا أحد المواطنين اليونانيين أن نذهب الى محطة الاتوبيسات في سالونيك ، لننطلق منها الى بلدة بولي كاسترو ، توجهنا الى المحطة ، واستطعنا الحصول على تذاكر سفر من موظف حجز المحطة ، وعندما حان موعد الصعود للاتوبيس ، رفض بداية سائق الاتوبيس السماح لي بالصعود ، وتذرع أن ورقة مغادرة اليونان ( الخارطية) التي أصدرتها السلطات اليونانية في كامب جزيرة خيوس لا تخولني التنقل في كافة أرجاء اليونان وخاصة في المناطق الحدودية ، طلبت من السائق أن يتفهم حالة اللاجئين السوريين ووضعنا الحرج ، صمت السائق للحظات قليلة ، ثم وافق على صعودنا للاتوبيس .



انطلق بنا الاتوبيس الى بلدة بولي كاسترو ، وعندما وصلنا البلدة بعد حوالي ساعة ونصف ، توجهنا الى مقهى البلدة للتزود ببعض الماء والعصائر الطبيعية ، عند المقهى تجمعت بعض السيارات ، كانت تنقل اللاجئين من البلدة الى قرية إفزوني اليونانية المحاذية لحدود مقدونيا . 


صعد اللاجئون تباعا الى السيارات التي كانت تقل أربعة لاجئين وكان كل لاجئ يظهر بيده ورقة المغادرة ( الخارطية) للسائق ويدفع له مبلغ 5 يورو مقابل نقله للقرية الحدودية التي تبعد عن بولي كاسترو حوالي 18 كيلو متر ، وعندما جاء دور صعودي الى السيارة ، قدمت للسائق ورقة مغادرتي ، نظر السائق للورقة وأشار برأسه بعلامة الرفض ، ثم قال إنه لا يستطيع نقلي لإفزوني ، لأن ورقتي لا تخولني الوصول إلى هذه القرية ، رغم أن جميع اللاجئين كانوا يصلون إليها عبر سيارات الأجرة ، فالسائق يريد أن يخلي مسؤوليته تجاهي ، بذريعة أنه لا يريد مخالفة القانون ، مع العلم أن السلطات اليونانية ، تعلم مسبقا أنني سأغادر اليونان باتجاه بلدان أوروبا الغربية ولن أمكث طويلا في اليونان .


لم يكن أمامي سوى المشي سيرا على الأقدام من بولي كاسترو إلى قرية إفزوني الحدودية ، وفي منتصف الظهيرة وتحت لهيب الشمس الحارق ، مشيت برفقة ثلاثة من اللاجئين السوريين الذين كان حالهم كحالي ، وقطعنا المسافة المطلوبة بحدود 5 ساعات من المشي المتواصل . 


عندما وصلت لقرية إفزوني ، شاهدت جروب كبير جدا للاجئين السوريين ، كان عناصر الجروب متجمعين بالقرب من فندق هاره الذي كان يقع في أطراف القرية ، ويعتبر نقطة انطلاق رئيسية للحدود المقدونية . 



التحقت بعناصر الجروب ، تفاجأت بالكثير من اللاجئين السوريين الذين كان معظمهم من العوائل المسيحية السورية وكذلك من الشباب الدروز السوريين ومعهم أيضا أعداد كبيرة من الاكراد السوريين ، ومثلما تفاجأت برحيلهم من قراهم وبلداتهم ، تفاجأوا أيضا بوجودي بينهم ، فالكثير منهم لم يكن يتوقع يوما أنني قد أكون بينهم في مثل هكذا رحلة قاسية .


انطلقنا جميعا نحو الحدود المقدونية جنبا الى جنب ويدا بيد خوفا من هجوم قطاع الطرق علينا لسلبنا أموالنا وأمتعتنا ، خلال الطريق تناقشت مع الكثير من الشباب السوريين من المسيحيين والدروز والكورد حول مستقبل سوريا ، وعن دور نظام الاسد في ترحيل المكونات الأساسية للشعب السوري رغم إدعائه الكاذب بحماية المكونات السورية من الإرهاب .


وبعد أن مشينا من قرية إفزوني الى نقطة الحدود المقدونية حوالي 4 ساعات من المشي المتواصل ، وصلنا مع حلول الظلام  ﻷول سكة قطار مقدونية ، وعند السكة ، أوقفنا عناصر الجيش المقدوني ، وطلبوا منا الجلوس أرضا وإحصاء عددنا وتقسيمنا إلى ثلاث مجموعات . 


أوعز إلينا ضباط الجيش المقدوني أن نستريح في الغابة المحاذية لسكة القطار ، وأن ننتظر لصباح اليوم التالي ، حتى يسمح لنا بالمرور فوق سكة القطار والوصول الى بلدة جفجيليا المقدونية ، أمضيت الليل في الغابة برفقة اللاجئين السوريين ، وعندما شعرت بالتعب ، لم يكن بوسعي سوى النوم في أرض الغابة كما فعل الكثير من اللاجئين السوريين ، الذين افترشوا أرض الغابة من شدة التعب والإرهاق بعد يوم كامل من المشي الطويل عبر البلدات اليونانية .  


في الصباح الباكر ، انتظرنا إشارة العبور من الجيش المقدوني ، وما أن أشرقت الشمس واقتربت من الظهيرة ، حتى سمح لنا بدخول مقدونيا ، مشينا فوق سكة القطار مسافة 2 كيلو متر حتى وصلنا محطة قطار بلدة جفجيليا المقدونية .


جلسنا ننتظر في المحطة وصول القطار الذي سينقلنا نحو المقدونية - الصربية ، كانت تعليمات السلطات المقدونية أن يحصل اللاجئون على ورقة مغادرة قانونية من مركز الشرطة في محطة قطارات بلدة جفجيليا . 


انتظرت يوما كاملا في محطة القطارات للحصول على ورقة المغادرة من السلطات المقدونية ، رغم أن الكثير من اللاجئين لم يكترثوا بالحصول على هذه الورقة ﻷن دخولهم مقدونيا مجرد طريق عبور للوصول الى صربيا ، وعندما حصلت على ورقة المغادرة ، صعدت في مطلع الفجر الى القطار الذي كان يعج باللاجئين السوريين وبعض الجنسيات الأخرى ، وكان مشهد التدافع والتزاحم على صعود القطار ، اشبه بخلية النحل .


انطلق بنا القطار من بلدة جفجيليا إلى بلدة كامانوفا ، كانت المسافة بين البلدتين المقدونيتين حوالي 200 كيلو متر ، ومن كامانوفا تابعنا مسيرنا نحو بلدة لوجيان الحدودية مع صربيا ، وقبل دخولنا صربيا تفرق اللاجئون السوريون الى مجموعات صغيرة ، كل مجموعة اختارت طريقها ، مجموعتنا كانت مؤلفة من ثلاث نساء وخمسة أطفال وثلاثة رجال ، وعند خروجنا من بلدة لوجيان المقدونية ، اختلط علينا الأمر بين حدود مقدونيا وكوسوفا ، اخترنا المشي باتجاه الجبل ، وإذ بنا ندخل حدود كوسوفا ، وقد ظهر لنا أننا في الطريق الخاطئ عبر اشارة الجي بي أس ، عدنا إلى الطريق العام الفاصل بين حدود مقدونيا وصربيا وكوسوفا ، ثم سرنا بمحاذاة الجبل دون الصعود إليه والتوغل فيه كثيرا ، حاولنا التواري عن أنظار البوليس الصربي  إلى أن دخلنا بلدة ميراتسو الصربية ذات العرقية الألبانية . 


استقبلنا أهالي البلدة بالترحاب وقدموا لنا بالتعاون مع الصليب الأحمر بعض الماء والطعام ، وطلبوا منا السير نحو الكامب في بلدة بريشيفو للحصول على الأوراق القانونية ، كالتي حصلنا عليها في اليونان ومقدونيا . 


بعد استراحة قصيرة في بلدة ميراتسو انطلقنا نحو بلدة بريشيفو كان الازدحام كبيرا في كامب بلدة بريشيفو واضطررنا للنوم أمام ارصفة المحلات والبيوت واثناء نومنا أمطرت علينا السماء فاضطررنا لحمل فرشاتنا بحثا عن مكان للنوم وفي اليوم التالي انطلقنا بالقطار من بلدة بريشيفو الى العاصمة بلغراد ، ومنها انطلقنا بالاتوبيس إلى بلدة كانيجا الصربية الحدودية مع المجر ، لتنتهي رحلة عبور بلاد البلقان وتبدأ رحلة عبور حدود المجر "خط الدفاع الأول" عن بلدان أوروبا الغربية .